الشيخ محمد علي طه الدرة

553

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

بعباده ، قال تعالى في سورة ( الطلاق ) : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى . وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا . . . إلخ : هذا خطاب للآباء إذا أرادوا أن يستأجروا مرضعات لأولادهم غير أمهاتهم ، فلا إثم عليهم ، ولا حرج ، ولا سيما إذا تزوّجت أم الولد غير أبيه بعد طلاقها منه ، أو طلبت فوق أجرة المثل . والسين ، والتاء للطلب ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، وانظر الالتفات في الآية رقم [ 131 ] . إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي : دفعتم الأجرة إلى المرضعة كاملة . وقال مجاهد : أسلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما أرضعن إلى وقت الاسترضاع . و ( المعروف ) : الإحسان ، والإجمال في القول . أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة لمن ترضع الطفل مستبشري الوجوه ، ناطقين بالقول الجميل ، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن ؛ حتى يؤمن تفريطهن في إرضاع الطفل . وَاتَّقُوا اللَّهَ : خافوا اللّه فيما أوجب عليكم من الحقوق ، وفيما أجب عليكم لأولادكم ، وهو يعمّ المرضعات . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي : لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرّها ، وعلانيتها ، فإنه تعالى يعلمها . بعد هذا فقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ مثل قوله تعالى في سورة ( لقمان ) رقم [ 14 ] : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ وقد استنتج من الآيتين ومن آية ( الأحقاف ) رقم [ 15 ] وهي قوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً : أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر . وهو استنتاج قوي ، وصحيح . روى محمّد بن إسحاق عن معمر بن عبد اللّه الجهني ، قال : تزوّج رجل منّا امرأة من جهينة ، فولدت ولدا لتمام ستّة أشهر من زواجها ، فانطلق زوجها إلى عثمان - رضي اللّه عنه - فذكر ذلك له ، فبعث إليها ، فلما قامت لتلبس ثيابها ؛ بكت أختها ، فقالت : ما يبكيك ؟ فو اللّه ما التبس بي أحد من خلق اللّه تعالى غيره قطّ ، فيقضي اللّه سبحانه وتعالى فيّ ما شاء ، فلمّا أتي بها عثمان - رضي اللّه عنه - أمر برجمها ، فبلغ ذلك عليّا - رضي اللّه عنه - فأتاه ، فقال : ما تصنع ؟ قال : ولدت لستة أشهر ، وهل يكون ذلك ؟ فقال له عليّ كرم اللّه وجهه : أما تقرأ القرآن ؟ قال : بلى ! قال : أما سمعت اللّه عز وجل يقول : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وقال في سورة ( البقرة ) : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ . . . إلخ ، وقال في سورة ( لقمان ) : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ فلم تجده بقي إلا ستة . قال : فقال عثمان - رضي اللّه عنه - : واللّه ما فطنت بهذا ، عليّ بالمرأة ، فوجدوها قد فرغ منها ، قال : فقال معمر - رضي اللّه عنه - : فو اللّه ما الغراب بالغراب ، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه ، فلمّا رآه أبوه ، قال : إنّي واللّه لا أشك فيه . قال : وابتلاه اللّه تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة ، فما زالت تأكله ؛ حتّى مات . أخرجه ابن أبي حاتم . انتهى . مختصر ابن كثير . انظر ما قاله معاوية في حقّ عليّ في الآية السابقة ، وقد صار مثلا من الأمثال عند وجود مشكلة معضلة .